الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
258
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أمره فرطا ( 1 ) . الطريف هنا أن القرآن وضع هاتين المجموعتين في مقابل بعضهما من حيث الصفات ، وكان الأمر كما يلي : مؤمنون حقيقيون إلا أنهم فقراء ، ولهم قلوب مملوءة بحب الله ، يذكرونه باستمرار ويسعون إليه . الأغنياء المستكبرون الغافلون عن ذكر الله ، والذين لا يتبعون سوى هواهم ، وخارجون عن حد الاعتدال في كل أمورهم ويفرطون ويسرفون . إن الموضوع - أعلاه - من الأهمية بمكان ، بحيث أن القرآن يقول للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - بصراحة - في الآية التي بعدها : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ولكن اعلموا أن هؤلاء عباد الدنيا الذين يسخرون من الألبسة الخشنة التي يرتديها أمثال سلمان وأبي ذر خاصة ، والذين يعيشون حياة مرفهة باذخة ومليئة بالزينة ، ستنتهي عاقبهم إلى سوء وظلام وعذاب : إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها . نعم ، إنهم كانوا أعطشوا في هذه الدنيا كان الخدم يجلبون لهم أنواع المشروبات ، ولكنهم عندما يطلبون الماء في جهنم يؤتي إليهم بماء كالمهل : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ( 2 ) . بئس الشراب . ثم وساءت مرتفقا ( 3 ) .
--> 1 - " فرط " تعني التجاوز عن الحد ، وكل شئ يخرج عن حده ويتحول إلى إسراف يقال له ( فرط ) . 2 - " مهل " على وزن " قفل " وهي تعني كما يقول الراغب في المفردات : هي المقدار المترسب من الدهن والذي يكون عادة ملوثا بأشياء وسخة ورديئة الطعم ، إلا أن بعضا آخر من المفسرين يقولون بأنها تعني أي معدن مذاب . والظاهر أن تعبير ( يشوي الوجوه ) يرجح المعنى الثاني . 3 - " مرتفق " من كلمة " رفق ورفيق " بمعنى محل اجتماع الأصدقاء .